العيني

81

عمدة القاري

كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ، وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث المذكور في الباب ، وقيل : نسب الغزالي والفخر الرازي وتبعهما البيضاوي هذا الحديث إلى أبي سعيد الخدري ، وهو وهم ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى ، وقال بعضهم : وروى الواقدي هذا الحديث أيضاً في رواية عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب وليس كذلك ، والذي هنا هو الصحيح ، وشيخ الواقدي هنا مجهول أيضاً وهو محمد بن معاذ ، وقال أيضاً : الواقدي شديد الضعف إذا انفرد فكيف إذا خالف ؟ قلت : ذكر الحافظ المزي هذا ولم يتعرض إلى شيء من ذلك ، ومن العجب أن الواقدي أحد مشايخ إمامه الشافعي ويحط عليه هذا الحط وهو ، وإن كان ضعفه بعضهم ، فقد وثقه آخرون ، فقال إبراهيم الحربي : الواقدي أمين الناس على أهل الإسلام ، وعن مصعب بن الزبير : ثقة مأمون ، وكذا وثقه أبو عبيد وأثنى عليه ابن المبارك وآخرون . وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في فضائل القرآن عن علي بن عبد الله وفي التفسير أيضاً عن إسحاق بن منصور ، وعن بندار . وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ . وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن إسماعيل بن مسعود وفي فضائل القرآن عن بندار . وأخرجه ابن ماجة في ثواب التسبيح عن أبي بكر بن أبي شيبة . قوله : ( في المسجد ) ، أي : في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فلم أجبه ) ، لأنه ظن أن الخطاب لمن هو خارج عن الصلاة . قوله : ( ألم يقل الله استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم ) هذا خاص به صلى الله عليه وسلم . قوله : ( ألا أعلمنك ) كلمة : إلاَّ للحث والتحضيض على ما يقوله القائل في مثل هذا الموضع ، وأعلمنك ، بنون التأكيد المشددة . قوله : ( أعظم سورة في القرآن ) قال ابن بطال : يحتمل أن يكون أعظم بمعنى عظيم ، وقال ابن التين : معناه أن ثوابها أعظم من غيرها ، واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض ، وقد منع ذلك الأشعري وجماعة لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل ، وأسماه الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها ، وأجيب عن هذا بأن الأفضلية من حيث الثواب والنفع للمتعبدين لا من حيث المعنى والصفة ، فإن قلت : يؤيد التفضيل قوله تعالى : * ( نأت بخير منها أو مثلها ) * ( البقرة : 106 ) قلت : الخيرية في المنفعة والرفق لعباده لا من حيث الذات . قوله : ( قال : الحمد لله رب العالمين ) ، هذا صريح في الدلالة على أن البسملة ليست من الفاتحة . قوله : ( هي السبع المثاني ) ، أما السبع فلأنها سبع آيات بلا خلاف إلا أن منهم من عد : أنعمت عليهم دون التسمية ، ومنهم من مذهبه على العكس ، قاله الزمخشري ، قلت : الأول قول الحنفية ، والعكس قول الشافعية ، فإنهم يعدون التسمية من الفاتحة ولا يعدون : أنعمت عليهم آية ، ولكل فريق حجج وبراهين عرفت في موضعها ، وإما تسميتها بالمثاني فلأنها تثني في كل ركعة ، وقيل : المثاني من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة ، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى ، وفيه نظر ، والمثاني : جمع مثنى الذي هو معدول عن اثنين اثنين ، فافهم . وروى ابن عباس : أن السبع المثاني هي السبع الطوال : ( البقرة ) و ( آل عمران ) و ( النساء ) و ( المائدة ) و ( الأنعام ) و ( الأعراف ) و ( يونس ) وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وكذا ذكره الحاكم ، وقال : الكهف ، بدل : يونس ، وذكر الداودي عن غيره : أنها من ( البقرة ) إلى ( براءة ) قال : وقيل : هي السبع التي تلي هذه السبع ، وقيل : السبع الفاتحة ، والمثاني القرآن ، وقال الخطابي : يعني بالعظيم عظيم المثوبة على قراءتها وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء والدعاء والسؤال ، والواو في : والقرآن العظيم ، ليست واو العطف الموجبة للفصل بين الشيئين وإنما هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص كقوله : * ( وملائكته ورسله وجبريل ) * ( البقرة : 98 ) ، وكقوله : * ( فاكهة ونخل ورمان ) * ( الرحمن : 68 ) وقال الكرماني المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفين ، فمعني : * ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) * أي : ما يقال له : السبع المثاني والقرآن العظيم ، وما يوصف بهما انتهى . قلت : قول الخطابي : إن هذه الواو وليست للعطف خلاف ما قاله النحاة وغيرهم ، وهذا من عطف العام على الخاص ، وقد مثل هو أيضاً بقوله : * ( فاكهة ونخل ورمان ) * ( الحجر : 87 ) وهذا يرد كلامه على ما لا يخفى ، وكون العطف عطف العام على الخاص أو بالعكس لا يخرج الواو عن العطفية . 2 ( ( بابُ غَيْرِ المَغْصُوبِ عَلَيْهِمْ ولاَ الضَّالِّينَ ) ) أي : هذا باب فيه ذكر قوله تعالى : * ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) * ، ولا وجه لذكر لفظ : باب هنا ، ولا ذكره حديث الباب ههنا مناسباً لأنه لا يتعلق بالتفسير ، وإنما محله أن يذكر في فضل القرآن .